أنا .. والسفَر وبعض الحكايا

إذا كنت تظّن أنّ المُغامرة شيئ خطير .. جرّب الروتين فهو قاتل 

قالها باولو كويلو في مكانِ ما ..

 عن السفر ذاك الذي يزرع في روحك نبتةَ خضراء يانعة تجعلك راوي للقصص .. سارد لأحداثِ تركت في قلبك أثراَ آخراَ حلو المذاقروائح القهوة والخبز .. عيون المارّين .. حكايا الطبيعة .. مسكنك الجديد الذي يفوح بعبق المدينة القديم .. السكّان المحليين وملامحهم التي تروي لكَ تاريخ المكان..

في فترة مكوثي في كالجري .. لم أكّف في البحث عن قهوة بطعم فريد .. كنتُ أبحث دائما عن نوع جديد ليرافقني في مكاني البعيد ذاك ..حتّى وجدت في مقهى صغير غير معروف ذات مرّة القهوة الايرلندية بمذاقها الشديد ..  ساقت الى ذاكرتي كل تاريخ ذالك البلد .. حتّى  الحروب التي مكثت فيها عبرَ الأزمنة.. ولم أنتهي هناك حتّى تعرّفت على السكوتلندية والكولومبية والبرازيليّة ..

 من أوّل خطوة في المطار .. الى رفقاء الطائرة .. حتّى لحظة الهبوط تلك  تشعر وكأن قصتّك في أوجها .. كل الأشياء الصغيرة كانت جزءا عندي من حلم , نزول الثلج الأوّل وقساوة البرد.. الرياح العاتية في الليالي والسعادة الغامرة في حضور الشمس ..

البيوت الصغيرة والغرف الضيّقة ~ التسوّق والمواصلات العامة ..

نعم .. فالسفر علّمني التواضع ..

التواضع لذاتي .. للناس .. وللمكان 

أن أجري بنفسي في ذاتِ البلد كالبلد .. أن أضع رجلاي للحظة في حذائهم .. وأتأمّل الحياة في عيونهم..

من عدّة سفرات فوق المحيط الأطلسي أدركت معنى من معاني هذا الكون المهيب ..تخيّلت كيف كان يبلع المحيط بواخر الهجرة الكبيرة في أوج  الهجرات من اوروبا .. داخل تلك الزرقة الكاحلة .. في الليالي التي لا قمر فيها .. ولا جهات  ولا أطياف

غمرات الموج والحياة ما تحت الموج .. العظمة في ذالك الخلق الذي تُخفيه المياه تحت أكمامها .. سكون الماء وضجيج المركب .. الأفق الذي لا يأتي والحياة التي في الإنتظار ..

أدركتُ كيف تمشي الحياة بمقادير حين أصيبت أمّي بوعكة صحيّة في رحلة العودة من تورونتو فوق أقحل بقعة من نفس المحيط وحينَ سخّر الله لنا طبيبين مسافرين في نفس الطائرة كانا سببا في منع هبوطا اضطرارياَ في آيسلندا .. كأنّه حلم .. لكنها حقيقة ..  لا تتوّقعها لتحدث لك في أمتع اللحظات لتنقلب وتصبح أكثر اللحظات قساوة وتحديّا في نفس الوقت .. 

في لحظة ما .. ألاف الأميال في السماء.. أعطتني إدارة الطائرة إتخّاذ قرارا حاسما في الموافقة على هبوط اضطراري في آيسلندا لأجل أمّي  ..وهو أكبر قرار أربكني في حياتي .. صحّة أمّي في كفّة و400 راكب آخرون – في سفر مُضني- في كفّة أخرى.. التفكير في حّد ذاته في تلك اللحظة كان عبئاَ.. لكنّ شيئا ما طمأنني بتأجيل الهبوط حتّى ميونخ

 .وفي ميونخ نُقلت أمّي من الطائرة الى  احدى المستشفيات هناك  , في بلد لا يتكلّم فيها أحدا الانجليزية , اكملنا ليلة من العلاج في لغة الإشارة . إستلقيت فيها على أدراج المستشفى أنظر السقف ولا أصدّق ماذا يجري .. وما الذ أتى بي هنا .. لتبقى في  الذاكرة ساعات طويلة وطويلة من التعب والرضا والسعادة .. والأمل في أن نعود الى التحليق مرّة أخرى 

كانت هذه احدى اصعب القصص التي يُمكن أن ترافق أيّ مسافر حديث العهد مثلي ..

بعض الحكايا جميلة.. بعضها قاسية.. وبعضها غير متوقعّة ومليئة بالتحدّي

الجمال في العبرة  والخلاصة التي تخلق في جدولِكَ حبّ المغامرة ..

الحمدلله الذي جعلني في تجربة كل هذا

والحمدلله على نعمة التنقّل والتجوال ..

والى البلد القادم ..

iStock_000039083542_Small

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: