.. بعض الألم والأمل

المكان: مستشفى “هداسا عين كارم” … القدس المحتلة..
~ البوست طويل وعذراَ ..لكنه من الأحداث الكبيرة التي غيّرت في حياتي ~
…..
في سنة الدراسة الاولى للتمريض كنتُ قد قدّمتُ طلب عمل ك “راعيه شخصية” .. وهو منصب تلتزم فيه بمراقبة ورعاية مريض معين بوصاية من العائلة او احدى الشركات المتخصصة بالمجال …. ودونما اختياري, كانَت اول ورديّة ليليّة- من الحادية عشرة ليلا حتى السابعة صباحاَ- في قسم الأورام (للكبار) ..
كانت السيّدة نائمة في الغرفة في ذالك الوقت وانتظرتني ابنتها خارج الغرفة “لتوشوش” لي شارحةَ عن كل الأشياء التي يتوجب علي فعلها والانتباه لها ~ قالت لي ترَين بانّ هنا بابان للغرفة, عليك اغلاقهما كليهما واطفاء جميع الأنوار , حتّى الصغيرة التي في اسفل الحائط, لأن أمي لا تحّب الضوء ..
وأكملتْ تسألني , هل أخبرك أحدا عن حالتها ؟ فأجبتُ بلا .. “هيَ في حالة متقدمة جدا من المرض .. وقال لنا الأطباء انّ تنتظرها أسابيع وليس أكثر “…
~
ويهمّنا جداَ ان تقضي هذه الأسابيع في سكينة بقدر الإمكان .. ولذالك طلَبناك هنا .. وهناك شيئ مهم علّي إخبارك به ~ وهو الأهم من بين كل الأشياء التي ذكرتها ..وهو انّ أمّي تُصيبها “كوابيس” حادّة في الليل جراء كميّة الأدوية التي أعطيت لها وجراء انحدار الورم لأطراف المخ …
بصراحة لم يستوقفني الكلام عن وضع أمهّا كثيراَ بقدر ما استطردتني في تلك اللحظة بالذات البابين الذان علي اغلاقهما ليلاَ !!!
قبل ان تذهب الإبنة ~ قالت لي افتحي الأبواب بهدوء .. لكِ كنبة بجانبها وأراكِ صباحاَ …فتحت الأبواب .. وتلّمست المكان الذي سأجلس فيه بجانبها , فتحت الشباك قليلا لأستأنس بضوء القمر .. والله كأنّي أذكر هذه الليلة الآن …كانَ وهجهُ منيراَ جداَ جداَ .. جسمي يرتعش.. وفي يدي كوب قهوة لم استطع الشرب منه لشدّة خوفي وارتباكي .. او لا أدري اي وصفِ آخر يصف حالتي تلك !!!
نظرت الى السيّدة نظرة واحدة ولم استطع تثبيت عيناي حتّى .. وبدأت بالدعاء ناظرةَ من الشُبّاك .. يا ربّي ! ما الذي أتى بي الى هنا ~
الغرفة قاتمة .. وحيّرني السؤال من الذي جعل ان يكونَ بابين لغرف المرضى وليس واحد !! حقا لا أدري ..
لم أنم دقيقة واحدة , مع أنّهُ يُسمح لي بذالك .. لم أستطيع القراءة .. ولا حتى تشغيل التلفون لئّلا يزعجها الضوء وتستيقظ ..
الوقت يمر ببطئ شديد .. الهدوء قاتل .. لدرجة اني اسمع صوت عقرب الثواني في ساعة يدي .. لكن !!!! لا يستمّر هذا الهدوء كثيرا !!

في تلك اللحظة سمعتُ صوتاَ لن أنساه ما حييتْ ..
وفي تلك اللحظة عرفت كيف يمكن للقلب ان يتوقف عن الخفقان ..
نعم .. في تلك اللحظة كانت قد دخَلت تلك السيّدة في صراعِ مع كوابيسها ..

عندها عرفتُ شيئاَ من الليل الذي يعيشه مرضى السرطان ..
واستدركتُ أيّ الحالات تلك, بأن تكون مريضا من هذه الفئة !!
دمعت عيناي وكدتُ أغادر .. لكن شيئا مسمرني على تلك الكنبة.. ولا حراك !!

كانت الكوابيس تلك تأتي على مراحل ~ بمعدّل مرّة في الساعة الواحدة…
وفي المشهد الثاني .. إهتّز بدني مرّة أخرى .. لكن كان أخف وطئا من الاولى …

وثالثة ورابعة وخامسة…
قمتُ من مكاني أخيراَ .. واقتربتُ من سريرها .. ولو انّ ابنتها لم تخبرني بأن لا ارّبت عليها وقت الحالة تلك ..- لأنها ستزيدها ارتباكاَ- لكنت مسكتُ بيدها .. وقلتُ لها ما يخفف من ألمي وألمها … لكني اكتفيت بمراقبتها والدعاء …

ها هو الشروق وأخيراَ .. مُنهكة وعلى وشك الغفيان على الكنبة .. السيدة تنظر بأتجاهي: صباح الخير .. نهضت من مكاني .. وبدأ الحديث بيننا .. كانت بحالة عاديّة وجدا .. سألتني عن سنّي ودراستي .. واذا كانت ابنتها من احضرتني ومتى ستعود .. وأنا اجيب في قمّة الدهشة ممّا حصل ويحصل .. لم اكن قادرة على الابتسام من الذهول~ لكني تصنّعته لأجلها …

فُتحت الأبواب وأخيراَ وحضرت الإبنة .. بيد على كتفي؟ كيف كانت ليلتكِ؟
تسألني عن ليلتي وليس عن ليلة أمها !!! ترددت بالأجابة فقاطعني .. أعرف انها كانت صعبة .. فانا بنفسي لم استطع المكوث بجانبها ليلة واحدة لشدّة الأمر علي …
رجعت الى السكن ورأسي مشتعل بالتفكير !!

كانَ هذا الحدث أوّل “انجذاب” و”ذهول” من حالات مرضى السرطان خلال دراستي .. وكان اوّل رعشة روحانيّة ونفسية تُصيبني اتجاه مريض بهذه القوّة ..
إنه غير هذا العالم ~ عالم لوحده تطويه الوحدة وفقط الوحدة ..

ما أن تدخله حتى تدخل الى خيايا اخرى من خبايا المرحلة.. الى حوشِ آخر ..
الى قلوبِ تُصارع الكيماوي والأشعة.. والأكثر من ذالك “غفوةَ” أقرب الناس ….

وهذا ما جعلني ان أصّر على انْ تكون أوّل تجربة عمل لي بعد استلام شهادتي في قسم مرضى السرطان ~ مع الأطفال تلك المرة في Schneider children medical center … وحكاياه التي ليست أقّلُ مرارة ..

لنجعل مع وقفة عرفة غداَ ~ دُعاءا ونحن صائمين ولو صغيرا .. بأنّ يُخفّف الله عنهم ويشفيهم.. ღ ღ

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: