دونا.. دونا

في يوم من الأيّام..عندما كان عمري في ال”4-“..وُلِد أخي هلال
(لفيف من لفائف الجيل الرزين ~ جيل نُص نصيص وجْبينِه, القصصُ التي غمرتنا بنفس المشاعر حتّى في المرّة المِئَة من سردها.. فكنّا نستاءُ نفس الاستياء في كل مرة تصل فيها أمي الى مقطع وقوع خرَزة “جبينة” بالماء.. ونفرح ذات الفرَح عندما يسكت جدّي قليلاَ ليقول بحماسَة أن “نخالة”- سخلة نص نصيص- طارت هرباَ من الغولة.. هي تفاصيل كبرت فينا وكانت رفيق الليالي الكاحلة التي تمدّدنا فيها على الأرض تحت السَما وسُردت لنا في وَشوشة وهمس  صحّحَا في قلوبنا معاني الخوف من ستنا الغولة.. ذاك الخوف المُتاح .. من شخصيّة- ملساء اللسان, مُضّله تَعترضنا بكل مراحل حياتنا )..
هلال.. هو الوَلد البكر في عائلة فلسطينية فلّاحة مُحترفة بالعطاء..نالَ فصلا من الدلال حتى أنّهُ لدَغَ بحرف “التاء” وتحرّر لسانه فقط في سن الخامسه او السادسة ,قليل الكلام-لكنّهُ الأوّل في كل شيئ.. وعندما بلغ الثانوي..بعثة أبي الى المدرسة الارثوذكسية في حيفا- التي كانت آنذاك أقوى مدرسة في الوسط العربي بحد تعبير البعض(خيال).. كان يُعلّمني الانجليزية بالبيت..ويدرسني غيبا قصائد كان يتعلمها هو في اول ثانوي لاكتساب اللغة..كانت أشهرهُنّ قصيدة  donna donna  التي كتبها  Aaron zeitlin ..لم افهم معناها الدقيق حينذاك, وما عرفتهُ فقط انها كانت تتحدث عن عجل يقودهُ صاحبهُ للذبح في السوق وطائر سنونو يحلّق من فوقهِ.. ووضح لي لاحقا انها تحمل بين سطورها قصص اليهود الذين قودوا الى معسكرات الابادة في الحرب العالمية الثانية…كانت المدرسّة تطلب من طلّابها حفظ هذه القصائد غيبا في اللحظة التي عشّشَت  فيها قصائد شكسبير ورفاقة على الرفوف..وفي اللحظة االتي  جلست فيها فكتوريّات تشارلز ديكنز.. وحيدة كمادة اختيارية ..أمّي لم تعرف عن هذا المُلحَق كثيرا ..لكنها أنشأت مشروعها الخاص.. كانت تقطع مسافة مشيا على الاقدام لتشتري الكتب , لم تُجد أمي العبرية كثيرا  وكانت البائعة تسألها :- “لمَ تأخُذي عدّة مستويات مع بعض ابدأي مع ابنك بالمستوى الأوّل فقط ؟!! (وكأنها تتحامق !!!هل اللهجة المبعثرة  والرائحة القرويّة وذاك الاصرار ليسا بدليل كافِ على انّ لأمي اولاد على عدد المستويات الستّة؟!) , واستمسك كّل منّا  بالمستوى الخاص به وأُجبرنا بذكاء على القراءة حتى أستهوانا هذا المشروع  🙂 …
هذه نبذه بسيطة عن محاولات “تهويد الفكر” التي تقودها حتى الآن وزارة التعليم في كل(وكل يعني كل) المدارس العربية في الداخل لكسب بعض المشاعر لتاريخهم الخبيث… ولرمي عقولنا في مادة “الشعب المُختار في التناخ” بس فشروا .. ف- “دونا دونا” درساَ ضعيفاَ في اللغة ..ودرسا قويّا للانسانية..قويّا للوطن .. الذي سنبنيه ناطقا ب ا ل ع ر ب ي …

9780141028903

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: