الى أخي ..

لم يَخفَ علّي ارتباكك في آخر مكالمة لي معك.. وليتك تعرف كم فرحتُ لهذا الإرتباك الذي طَمئنني على رابطِ لا اريده ان يتخلخل ابدا ~ ورُحت اتخيّل انكّ تبكي احيانا .. كما بكيتَ يوم تخرجّك من جامعتك في عمّان عندما أتَتْ عيناك صَوبَ أبي وأمي وسط حضورِ ضخم,ورُحتَ سارحا في ذاكرة العِناد والجهاد والمحبّة التي تنضخ من هاتين الشخصيتين..وكيف لوّحا لك بنفسِ تفاصيل الكفّ التي لوّحت لك عند دخولك للمطار.. أيدي بنَت وطوّبت وحرَمت نفسها مراراَ لتسّد رغبةَ لي وأخرى لك..
لا أُخفيك أنّي افتقدكَ جداَ.. لكن لا تقلق هو افتقادٌ حضاري يؤمن بالطيران ويحب “التجوال” .. وكُن على يقين اني احّنُ للقاءٍ اراك فيه مِلأ أحلامك الفسيحة..التي لن تعرف التيه في دنيا كتَب الله لنا فيها سعيا وكدحا ..هذه الدنيا التي لا تزن عندهُ جناح بعوضة.. فعَجَبا انْ كنا سنعطي للمسافة فيها ان تحجُب الآفاق..وتُجلسنا القرفصاء ابدا..
ها أنا أُقلّب الآن صوَرا من حكايات السرد الطويل.. فيها من الماضي مُمْتَلَئاَ لا يعوزُ توثيقا لأنَهُ مُقيمٌ في الذاكرة إقامةِ الآمن المُطمئن…أتذكّرُ ايام الصبا, يومَ كنا نرتع في حقلٍ رحراحِ لا يحدّه شيئ غير الواح الصبّار, كان لكل منا شجرة لوزٍ بإسمه .. عشنا اياما لم يكن فيها حسابا للمساحات .. فيها اخترنا بكامل العفوية انْ يثبَت حبل الغسيل بين الليمونة والرُمّانة, وكم كنا نسخر من مفهوم مصطلح “حديقة البيت” المُعرّف في الكتب.. لأنّ بيتنا وقَع على تلة غرّاء ملأت فيه الحديقة دونماتِ عدّة .. وبعد التهجير دُفنت لوزتي ولوزتك ودخل لحياتنا باختزالٍ وحَسرة مِنشَر الغسيل البلاستيكي..وترَكنا للشَجَر مسّمياتِهِ .. ولأسامينا حفظنا عبَقا من اغصانِ وحَنين..

اتذكر..ايّام كنّا نمشي عشرة كيلومترات ذهابا وأيابا من المدرسة..بكامل المرح والاستبشار لنصل كتلة عرق في الصيف وكتلة جليد في االشتاء ..دعك من هذا, فكلٌ منا كان الاوّل على الدُفعة ..ونضَج معنا المشي ليُصبح متعة وهواية نمارسها على كلّ ذرّة تُراب في الوطن..منذ تلك الايام عرفت اننا فصائل قادرة على التحمّل ..و فصائل تعشق الابتلاء… ها أنا انظر اللآن الى صورة جدّي رحمه الله ~ ويأتي طَوعا على بالي يوم لحقنا ديكاَ له هرب من مزرعته.. وعندما صرخ بنا بصوتِ كصوت الجنرالات ~ “هيّا..ستّة أفراد تستعصون امساك ديك!!”..مع اننا مّربى أريافٍ واشباح متدربه تحترف الركض وتُسابق الريح.. ومع هذا فلَت منا الديك كما فلت منا الوطن ..
الذكرياتُ سردٌ طويل النوى يا نضال ..تسحَبني التفاصيل فأتذكرك ..وتسهب فيّ الايام واستحلي ما كان معك..تخطر على بالي كثيرا مواقفك الشجاعة والمقدامَة, يوم أنقذتنا بتصريف الهي من حادثة غرق حتميّة..موقفٌ لا تثبتُ فيه دمعة بعين, دفَعتَ بنفسك الى تيّار غادِر وآثرت حياةً على حياتك..ولا يفعلها الّا الأفاضل.. لا يفعلها الّا مُحسن ظنِ عمَرَ الايمانُ قلبه ..

البارحة كان عيد ميلاد أمي(12.12.2012), فألقت رلى أختنا الكبيرة بخفّة ظلّها المعتادة كلمة حبِ لها.. في لقاء عائلي ..أعجزعن تلخيصها..وراحت تتكلم عن كل فردِ فينا.. ووصلت اليك وقالت فيك كلاما غاليا يليق بشَخصِك.. واسترسلت : “أتذكّرُ يوم كنّا في الابتدائي وكنا نلعب “الغمّيضة” في ساحة المنزل, ومن لهفة نضال -ابن الرابعة- راح راكضا وقافزا بنفسه ليختبئ في برميل كبير .. علُوَ صراخه فهرَعنا اليه واذا بهِ -يتفعفل-داخل برميل أُعّدَ للماء.. ومددنا ايدينا لننتشله ولم ننجح لأنه كان سمينا جداَ.. نأخذه من ملابسه فترتفع الملابس ويبقى في القاع..حتّى سحبناهُ بقوّة كبيرة أرْدَتنا ارضاَ “.. >> واكرهتنا بتلك البراميل التي كانت مُحبّبة الاستعمال عند جدّي..حيث كانت مِصيَدةً لمياه المزاريب في الشتاء..وكنّا نراهُ يعتليها مرارا ليلتقط الخروب.. يطبخه ويصُنع منه رُبّا صافيا من أجلنا ..وحدث ان ضُبِطَ مرارا   في “سيارة جيب” للشرطة  الاسرائيلية  بعدما كان يُستفّز ويُطلب منهُ  اظهار “بطاقته الشخصية”  فيرفض ..ويُعتقل وهو يلتقط الخروب ككل عام .. مُبتسما من تلك المهزلة مشيراَ لأبي بأن يلحقه الى مركز الشرطة..فيبتسم أبي هو الآخر وكأنه يريد ان يقول لهم جهّزوا انفسكم لنفس المهمة في السنة القادمة.. أمّا نحن فلم نركض وراءه تلك المرة.. كنا قد تعودنا على فكرة اعتقاله  تحت الخرّوبة..
أنهت رلى الكلام عنك وتحّررت دموعا في مآقي الجالسين جميعا..وسرعان ما أوقفناها للدعاء لك..أن يحفظك الله ويقضي لك نجاحا في كل ميدان..وانتهى اللقاء وكلٌّ لحق ركبُه..وغدا سنرجع للروتين وستمضي الأيام وتدور بنا.. لكن سيبقى الحساب الأرجح للساعي المُجاهد التي لم تكّف رجلاه عن الحراك لتغيير العالم..مُتوّكلٌ ومُحسن الظن وإن أخفق..شخص لن يتردد الناس ليقولوا عند رحيله:”نعم..لقد كان  هنا”..فاثبت لأنّ ما تفعله جدير..

63834_474226422628774_1534124126_n

Advertisements

9 Comments on “الى أخي ..

  1. بارك الله فيك أختي، ابكيتيني حقاً، كلمات ولا اروع، استمري بالدعاء
    عائلتي اجمع دائماً عالبال،انتم أيضاً لا تفارقوني أبدا في النصف الآخر
    شكرًا …

  2. يا له من مقال جميل.. ان دل فقد دل على الرابط القوي المبني بين افراد العائله والذكريات الجميله الممزوجه من الماضي والحاضر وكأنكم عشتم حياتين او مرتبن.
    اهنئك والى الامام دائما. انشاء الله المقال القادم يكون فحواه يوم اللقاء ويوم رجوع نضال ، يوم يكون افراد العائله كلهم مجتمعين سليمين معافين انشاء الله.

  3. اختي وصديقة دربي دلال انت انسانه رائعه وكتاباتك ولا اروع….. انا اعشق قراءة كتاباتك احب فقط ان اقرا واستمع فانا اجيد فن الاستماع اكثر من فن القول استمريييييييييييييييييييييييييييييييي دودود استمريييييييييييييييييييييييييييي فينتظرك مستقبل مشرق وباهر.

  4. * نيدو: حاجة تبكي بآ..كانت رسالة استفزازية فيها كثير من الشوق اليك ايها الرائع..صاحب الأثر المُلفت في كل مكان.. حتما سنلتقي..ما دام الله في قلوبنا .. ما دام الأمل فينا.. “تيك كير”..;)

    * بهاء: أهلا وسهلا فيك في الصفحة..شكرا على استحسان الرسالة وانشالله دعواتك الجميلة تكون مقبولة.. 🙂

    *أنوار: نور حياتي :)..انت الرائعة التي تسعدني دائما بحضورها ..وتعرفي جيدا كم تعني لي هذه الكلمات..الله يخليك..

  5. قرأتها عدة مرات وكأني اقرأها للمرة الأولى من جمالها وعمقها وكنت ابكي في كل مره كلماتك رجعتنا إلى حنين الماضي الجميل وذكريات لا زلنا نتعايشها ونتحسس سطورها نتذوقها بحلاوتها ومرارتها.
    ها أنت يا دلال تعيدين لذاكرتنا العمل البطولي الذي قام به نضال تجاه محبيه مما زاده نبل وأصالة ، وبوصفك الجميل رسمت في أذهاننا صورة لموقف حميد وعمل سوف يخلد في ذاكرتنا للأبد ، والذي يعتز به كل محب لأهله . ولأختي الغالية أقول إن الله ميزك في كل شيء لأنك كنت الأقرب على قلب أمي (رحمها الله) ورضاها عليك. وها أنت تزدادين ارتقاء وسمو ورفعه من عام إلى عام، حتى يوم ميلادك مميز 12.12.12 فكل عام وأنت بخير.

  6. دلال انت مميزة دائما بنظري , وتميزيك يزداد يوما بعد يوما ,, وترتقين دائما في القمم بكتاباتك وبشخصيتك الرائعة .. فدائما متألقة بكل ما للكلمة من معنى , فمن تتحلى بأناقة دلال وخصال دلال , لا يفائجنا ان تكتب بهذا المستوى الرائع القريب من القلب الذي هزّ مشاعري وابكاني لأننا عائلة واحدة تجمعنا نفس الذكريات , فكلماتك اثرت في ذاتي تأثيرا قويا واعادتني للماضي وصوّرت لي اياما جميلة مخلدة في ذاكرتي !!! فأنت يا دلال كنز ثمين تعتز به العائلة , ينتظرك غد مشرق , فكوني كالشمس معطائة عند بزوغها تنير الكون ,,, ايتها الفتاة المثالية التي تتجسم فيها ارقى صفات المثالية , تسعى دائما بكل ثبات ورزانة وحكمة بتقوية رباط العائلة فبرباطها المتين تشد وتقرب اليها بشوق وحنين اخاها العزيز حتى لو كان في النصف الاخر من العالم , فاستمري هكذا كما عهدناك …
    ننتظر منك المزيد والمزيد من النجاح ! 🙂 وادام الله لك والداك الاعزاء بصحة جيدة وكلي فخر واعتزاز لكوني اخت ام الهلال العزيزة على قلبي , المربية الفاضلة … ادامها الله في صحة وعافية واطال عمرها وعمر احبّأئها !

    خالتك المحبة لكم : مهدية ابو هلال

  7. *خالي بلال: دائما تترك على صفحتي أثراً قريبا من القلب..عميقا في الوجدان..سعيدة انك “خالي”..وسعيدة اكثر على ارتباطك الوثيق بذكريات كثيرة مشتركة بيننا ..فالماضي حوانا وحواك .. تعثّرنا معا في جانب وتقدّمنا في جوانب .. فلك منّي تحية رقيقة على حضورك “الهميم” في جميع المواقف.. وعلى مدّكَ ليد العون في كل “طقّة ” صغيرة ..^_^

    *خالتي مهدية: لا فض فوك ..بالغتِ والله بالإثناء على شخصي.. ومهما قلتُ فيك قولا لن اكفيك .. لانك حضرتِ وبقوّة في ذاكرة الماضي..كنتِ سببا في توثيق صورا بذوق وابداع رقيقين ,محفوظة الى يومنا هذا ..نرى فيها جميعا وداَ وقربا من خالةِ جميلة لها حضور استثنائي دافئ ..أراه الآن يتوارث في ثمار حياتك ..في اولادك الذين يحملون فوحَكِ..فدمتِ حبيبَةٌ قريبة..:)

    *** لكلاكما : انا مُطمئنّة لبكائكما..لأنّهُ بكاء حنين..وشوق لمواقف لن تتكرّر..ولا خوف ان حرّكنا الدمع الذي وهبنا الله ايّاه لضَمنا واحتوائنا اكثر واكثر..

  8. دلال…
    اقرأ كلماتك وباغتتني دمعه من عيني…
    من خلال ألكم الهائل من الذكريات والمعاني الكبيره عدت الى الماضي لاستشعر بجمال الصّغَر المليئه بالعنفوان وبعيدة هي عن زخم الحياه ومشاقها…
    رحت اتذكر ايام كنت واخوتي نلعب ونرقص ونعتلي الأشجار ونضحك ولكلّ منا مساحاته الخاصه به لا يحِدّ منها شيئا لا أرضا ولا سماءاً…
    اراك جميلة جدّا فقلبك تعتليه بشائر الإيمان العميقه والمختزله في قربك من الله… انت مثال الرُّقِيّ والتميز… ادامك الله ذخراً لعائلتك وأعزك الله بين جميع خلقه… بالتوفيق…

    • أنا بعرف الرد متأخر كثير .. لكن من قلبي بشكرك على الكلمات الرائعة والمنتقاة.
      يبدو انّوا منتشارك ذكريات واحدة من أيّام الطفولة ~
      بتمنى إنّوا الأيّام الحلوة بس تتكرّر .. سعيدة فيكِ جدا سهير , على أمل نلتقي في يوم ان شاء الله .. احنا محظوظين انو رح تكونلنا جارّة عزيزة وقريبة من القلب مثلك ..
      🙂 ♥

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: